
القاعدة
إن اختلط شيء طاهر بالماء فإن لم يتغير به أو تغير تغيرا يسيرا تصح الطهارة به وإن تغير تغيرا كثيرا لا تصح الطهارة به إلا في زوال الخبث
الشرح

الأشياء التي نتعامل معها في حياتنا اليومية إما أن تكون طاهرة وإما أن تكون نجسة , فالأشياء الطاهرة هل كل الأشياء التي حولنا والتي نتعامل معها كالأطعمة والأشربة والصابون والعطور والتراب وغيرها , وأما الأشياء النجسة فهي أشياء معينة حكم عليها الشرع بأنها نجسة وسيأتي بيانها بالتفصيل إن شاء الله تعالى في باب النجاسات مثل الميتة والدم وغيرها .
فإن سقط شيء من الأشياء الطاهرة في الماء كأن تسقط الصابونة مثلا في إناء الماء الذي سنتوضأ به , أو تسقط قطعة خبز أو يحمل بعض الأطفال شيئا من التراب أو الحجارة ويضعها في الماء فهل يمكننا أن نتوضأ بهذا الماء أم لا ؟ الجواب أن هذا الماء الذي سقط فيه شيء طاهر له ثلاث حالات :
الحالة الأولى : أن لا يتغير الماء بهذا الشيء الطاهر الساقط به , ونعني بقولنا " لا يتغير " أي لا يتغير شيء من طعمه أو لونه أو رائحته , وفي هذه الحالة يمكن الوضوء بالماء دون مشاكل طالما أنه لم يتغير بهذا الطاهر الواقع فيه , الدليل : وهذه الحالة لا تحتاج إلى استدلال وليس فيها خلاف بين العلماء لأن الماء لم يتغير وطالما أنه لم يتغير فهو يسمى " ماء " وقد قال الله تعالى " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " النساء الآية 43 , وطالما أن هذا " ماء " فهو يوافق الآية الكريمة .
الحالة الثانية : أن يتغير الماء بهذا الشيء الطاهر , بمعنى أن يظهر للماء لون أو تُشم له رائحة أو يتغير طعمه لكن هذا التغيير يكون يسيرا وليس كثيرا , بمعنى أن يظهر للماء لون قليل أو رائحة قليلة أو طعم قليل ولا يغلب هذا التغيير على الماء , وفي هذه الحالة أيضا يمكن استخدام الماء في الوضوء أو الغسل أو غيرهما أي أن هذه الحالة كالحالة الأولى تماما , الدليل : ما رواه أصحاب السنن بسند صحيح أن النبي ﷺ " اغتسل من قصعة فيها أثر العجين " والقصعة : وعاء كبير , ويلاحظ في الحديث كلمة " أثر " والتي تدل على أن التغيير كان يسيرا وليس كثيرا , وأيضا فقد روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ حينما ماتت ابنته قال للمغسِّلَة التي جاءت لِتُغَشِّلَ ابنته " اغسلنها بماء وسدر " الحديث , ومعلوم أن الماء المستخدم في غسل الميت يشترط له نفس شروط الماء المستخدم في الوضوء والغسل وغيرها من أنواع الطهارة , ومعلوم أن السدر وهو ورق شجر " النَّبْقِ " غالبا ما يترك تغييرا في الماء , لكن لأن التغيير به يكون يسيرا صحَّ غسل الميت بهذا الماء .
الحالة الثالثة : أن يتغير الماء بهذا الشيء الطاهر ويكون هذا التغيير كثيرا وليس قليلا كأن يسقط الصابون في الماء فيتحول الماء إلى اللون الأبيض شديد البياض أو تغطيه الرغاوي بسبب هذا الصابون , وأيضا إذا طبخ في الماء لحم فصار مرقا أو وضع فيه بنٌّ وسكر فأصبح قهوة , فيلاحظ أن التغيير في الأمثلة المذكورة كان شديدا بحيث خرج الماء عن اسمه " ماء " وصار شيئا آخر ؛ فهذا النوع من المياه لا يصح استخدامه في الوضوء أو الغسل , بمعنى آخر لا يمكن استخدامه في رفع الحدث , لكن يمكن استخدامه في زوال الخبث بمعنى أنه يمكن استخدام ماء الصابون السابق في غسل نجاسة سقطت على ثوب أو غسل نجاسة أصابت جسد المسلم وهكذا ؛ والخلاصة أن الحالة الأولى والثانية يمكن استخدام الماء فيهما في رفع الحدث وزوال الخبث ( راجع القاعدة الأولى ) والحالة الثالثة يمكن فيها استعمال الماء فقط في زوال الخبث دون رفع الحدث.
الدليل : على أن الماء إذا تغير تغيرا كثيرا لا يستخدم في الوضوء أو الغسل : قوله تعالى : " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " النساء الآية 43 , ومعلوم أن هذا ليس ماء لأنه خرج عن اسم الماء إلى اسم آخر ( مرق , قهوة ) , ولا خلاف على ذلك بين الفقهاء . ولو سأل سائل وقال : أين الدليل على أن هذا الماء المتغير بشيء طاهر يمكن استخدامه في زوال الخبث وغسل النجاسات ؛ نقول : إن الفقهاء فرقوا بين رفع الحدث وزوال الخبث , وقالوا إن رفع الحدث يعتبر من العبادات التي لها سبب معنوي بمعنى أننا لا نعرف لها سببا منطقيا فلو خرج من الإنسان ريح مثلا لا يستطيع الصلاة , لماذا ؟ هل لأن على جسمه نجاسة ؟ الجواب لا فالأمر بالوضوء هنا أمر غير معلوم السبب وهذا الذي يسمونه العلماء الأمر التعبدى أو الأمر غير معقول المعنى وهذه الأمور المعنويه لا نستطيع القياس عليها لأننا لا نعرف السبب من وراءها لذلك نقتصر على ما جاء في القرآن أو السنة ولا نتعدى ذلك , وكل ما جاء في الكتاب والسنة أمر باستخدام الماء الطهور فقط في رفع الحدث - كما في الآية السابقة - فنلتزم بذلك . وأما زوال الخبث فأمر معروف سببه وهو أن شيء نجس أصاب البدن أو الثوب ولا يمكننا الوقوف بين يدي الله تعالى بهذه النجاسة فماذا علينا أن نفعله ؟ الجواب إزالة هذه النجاسة . هذا هو المطلوب , فبأي طريقة أزلنا بها هذه النجاسة أصبح المكان المتنجس طاهرا , بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة في هذه الطهارة , فلو زالت النجاسة بالبخار أو بالتنظيف الجاف المعروف في زماننا هذا فإن الثوب يطهر ولا مشكلة في ذلك ؛ وهذا الذي فعله النبي ﷺ حيث أمر باستعمال الماء في تطهير النجاسات في مواضع لأن الماء هو أيسر وسيلة وهو متوفر غالبا , وأمر في مواضع أخرى باستخدام أشياء أخرى في التطهير غير الماء فثبت عن النبي ﷺ - عند البخاري ومسلم - أنه يمكن استعمال الحجارة في التطهير بعد قضاء الحاجة بدل الماء وهو ما يسمى بالاستجمار. وثبت أيضا عند البخاري ومسلم أنه أمر أن يُدلك الحذاء في الأرض إن كانت به نجاسة قبل الصلاة . فاستعمال الحجارة ودلك الحذاء هي من أنواع الطهارة ولم يستخدم فيه ماء أصلا , لذلك ذهب العلماء (*) إلى استعمال أي مزيل - كالماء المتغير بشيء طاهر - في إزالة النجاسات .
__________________________________________
(*) هذا مذهب المالكية وبعض الأحناف وجنح اليه شيخ الاسلام ابن تيمية .
فإن سقط شيء من الأشياء الطاهرة في الماء كأن تسقط الصابونة مثلا في إناء الماء الذي سنتوضأ به , أو تسقط قطعة خبز أو يحمل بعض الأطفال شيئا من التراب أو الحجارة ويضعها في الماء فهل يمكننا أن نتوضأ بهذا الماء أم لا ؟ الجواب أن هذا الماء الذي سقط فيه شيء طاهر له ثلاث حالات :
الحالة الأولى : أن لا يتغير الماء بهذا الشيء الطاهر الساقط به , ونعني بقولنا " لا يتغير " أي لا يتغير شيء من طعمه أو لونه أو رائحته , وفي هذه الحالة يمكن الوضوء بالماء دون مشاكل طالما أنه لم يتغير بهذا الطاهر الواقع فيه , الدليل : وهذه الحالة لا تحتاج إلى استدلال وليس فيها خلاف بين العلماء لأن الماء لم يتغير وطالما أنه لم يتغير فهو يسمى " ماء " وقد قال الله تعالى " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " النساء الآية 43 , وطالما أن هذا " ماء " فهو يوافق الآية الكريمة .
الدليل : على أن الماء إذا تغير تغيرا كثيرا لا يستخدم في الوضوء أو الغسل : قوله تعالى : " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " النساء الآية 43 , ومعلوم أن هذا ليس ماء لأنه خرج عن اسم الماء إلى اسم آخر ( مرق , قهوة ) , ولا خلاف على ذلك بين الفقهاء . ولو سأل سائل وقال : أين الدليل على أن هذا الماء المتغير بشيء طاهر يمكن استخدامه في زوال الخبث وغسل النجاسات ؛ نقول : إن الفقهاء فرقوا بين رفع الحدث وزوال الخبث , وقالوا إن رفع الحدث يعتبر من العبادات التي لها سبب معنوي بمعنى أننا لا نعرف لها سببا منطقيا فلو خرج من الإنسان ريح مثلا لا يستطيع الصلاة , لماذا ؟ هل لأن على جسمه نجاسة ؟ الجواب لا فالأمر بالوضوء هنا أمر غير معلوم السبب وهذا الذي يسمونه العلماء الأمر التعبدى أو الأمر غير معقول المعنى وهذه الأمور المعنويه لا نستطيع القياس عليها لأننا لا نعرف السبب من وراءها لذلك نقتصر على ما جاء في القرآن أو السنة ولا نتعدى ذلك , وكل ما جاء في الكتاب والسنة أمر باستخدام الماء الطهور فقط في رفع الحدث - كما في الآية السابقة - فنلتزم بذلك . وأما زوال الخبث فأمر معروف سببه وهو أن شيء نجس أصاب البدن أو الثوب ولا يمكننا الوقوف بين يدي الله تعالى بهذه النجاسة فماذا علينا أن نفعله ؟ الجواب إزالة هذه النجاسة . هذا هو المطلوب , فبأي طريقة أزلنا بها هذه النجاسة أصبح المكان المتنجس طاهرا , بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة في هذه الطهارة , فلو زالت النجاسة بالبخار أو بالتنظيف الجاف المعروف في زماننا هذا فإن الثوب يطهر ولا مشكلة في ذلك ؛ وهذا الذي فعله النبي ﷺ حيث أمر باستعمال الماء في تطهير النجاسات في مواضع لأن الماء هو أيسر وسيلة وهو متوفر غالبا , وأمر في مواضع أخرى باستخدام أشياء أخرى في التطهير غير الماء فثبت عن النبي ﷺ - عند البخاري ومسلم - أنه يمكن استعمال الحجارة في التطهير بعد قضاء الحاجة بدل الماء وهو ما يسمى بالاستجمار. وثبت أيضا عند البخاري ومسلم أنه أمر أن يُدلك الحذاء في الأرض إن كانت به نجاسة قبل الصلاة . فاستعمال الحجارة ودلك الحذاء هي من أنواع الطهارة ولم يستخدم فيه ماء أصلا , لذلك ذهب العلماء (*) إلى استعمال أي مزيل - كالماء المتغير بشيء طاهر - في إزالة النجاسات .
__________________________________________
(*) هذا مذهب المالكية وبعض الأحناف وجنح اليه شيخ الاسلام ابن تيمية .
0 التعليقات: